Make your own free website on Tripod.com

 

 

                              موقف السينما والتلفزيون من أهل النوبة (1)

                                                                     

لا أدرى سر تحامل الروائى والكاتب النوبى يحيى مختار على زميله حجاج أدول، وربما يتساءل البعض منا: أهي الغيرة التى تستبد بالنفوس عندما تسلط الأضواء على أحد زملاء الرواية والقصة القصيرة؟ لقد كان لمؤتمر واشنطن الذى حضره حجاج أدول الفضل فى الشهرة التى نالها، وهى الشهرة التى ربما لم ينل مثلها من خلال كتاباته المتعددة. وربما دفع الخلاف القائم بين الأديبين الكبيرين إلى إحداث بعض اللبس فى تناول بعض القضايا المهمة التى تتعلق بمصير ومستقبل المجتمع النوبى. فلقد ذهب يحيى مختار الى الحد الذى يقلل فيه من أهمية التعويضات أو التضحيات التى قام بها أهل النوبة، فيقول فى جريدة الوفد الصادرة فى 25 يناير 2006م: "كل هذا لماذا؟ لبضعة ملايين من الجنيهات. لو بالغنا فى تقدير التعويضات التى نطالب بإعادة فتح ملفاتها، وأن نبنى عدة آلاف من المساكن للمغتربين"، كما ينفى فى هذا المقال تهمة العنصرية عن شعب مصر. ولا أدرى من الذى اتهم الشعب بالعنصرية؟ وحتى لو افترضنا أن هناك بعض العنصريين فى هذا الشعب، فهذا ليس معناه أن نعمم هذه الصفة البغيضة ونلقى بالاتهام على الشعب كله. وفى نفس الوقت نقول إن هؤلاء العنصريين من الشعب هم فى الواقع ضحية بعض المؤسسات التى ساهمت فى حقن العنصرية فى دمائهم، وتأتى مؤسسة السينما والتلفزيون على قمة تلك المؤسسات التى ارتكبت جريمة ليس فى حق أهل النوبة فقط بل فى حق الشعب المصرى. والغريب أن الأجهزة الرقابية لم تدرك الجريمة التى كانت تحاك على مر السنوات السابقة، وهى جريمة فعلا فى الدول المتقدمة حيث لا يسمح بالإساءة إلى أى فئة من فئات شعوبها، هذا رغم حرية التعبير التى تتصدر مواد الدستور فى تلك البلاد.

  

وقد لعبت السينما و التلفزيون المصرى دورا خاصا فى تصوير المجتمع النوبى من خلال تقديم شخصيات نمطية معينة فى الأفلام و المسلسلات و بصورة تكاد تكون متكررة، مما ساهم فى غرس بذور العنصرية فى نفوس بعض المصريين، كما لا نستطيع أن نغض الطرف عن آثار هذه المعالجة السينمائية و التلفزيونية على أفراد مجتمع النوبة سواء فيما يتعلق بتكوينهم النفسى أو انتمائهم الاجتماعي نحو المجتمع الأكبر.

 

الشخصيات النمطية التى ترمز إلى النوبة فى الأفلام المصرية

هناك أفلام سينمائية تقدم المواطن النوبى فى قوالب ثابتة لا يمكن الخروج منها بأى حال من الأحوال، فنجد النوبى فى هذه الأفلام يتقمص دور البواب أو المضيف أو الخادم، ولم نشاهد مطلقا نوبيا مثقفا فى هذه الأعمال "الفنية"، فمثلا، نراه فى أفلام إسماعيل ياسين بالعمامة والجلباب يتحدث اللغة العربية بلكنة نوبية مخالفا قواعد اللغة مما يدعو إلى السخرية والضحك فى نفس الوقت، كما يمكن أن يتخلل حديثه بعض الكلمات النوبية بدون داع. ومما يبين أن دور المضيف محجوز للشخصيات النوبية فى مثل هذه الأعمال هو أن إسماعيل ياسين فى فيلمه "الفانوس السحرى" يتقمص هذا الدور من خلال طلاء وجهه باللون الأسود ومحاولة نطق بعض الكلمات غير المفهومة. والجدير بالذكر أن ممثلا كعلى الكسار عاش حياته ليقلد الشخصية النوبية فى معظم أفلامه ومسرحياته. فهذا الممثل الذى يحمل لقب أمه "زينب على الكسار" بدأ أولى خطواته مع "الفن" على مسرح كازينو "دى بارى" بعماد الدين ليتقمص شخصية "عثمان عبد الباسط" فى مسرحية "حسن أبو على سرق المعزة"، ثم قدم مسرحيات أخرى منها: "عقبال عندكم"، "الدنيا بخير"، "المسامح كريم، وكذلك كان يتقمص نفس الشخصية فى أفلامه السينمائية: "بواب العمارة" و "سلفنى ثلاث جنيه" , و"الساعة 7" و"عثمان وعلى"، و "بنت حظ".

 

وإلى جانب أعمال هذا الممثل، فقد كانت هناك أعمال أخرى ساهمت فى رسم الصورة النمطية لأبناء المجتمع النوبى: ففى فيلم " يا حلاوة الحب"، بطولة محمد فوزى ونعيمة عاكف ومن إخراج حسين فوزى، نجد الخادم النوبى يقول: يا سعادة البيهيا سعادة البيه التلغراف يا سعادة البيهخير يا سعادة البيهالله لا يقدر ولا يكون. وكذا فى فيلم "حبى الوحيد" الذى قام ببطولته عمر الشريف وكمال الشناوى ونادية لطفى فإن المخرج لم يجد سوى طفلا صغيرا ذا بشرة سوداء ليلعب دور الخادم فى منزل عمر الشريف.

 

وقد يقول قائل إن هذه الشخصيات الهامشية التى ترمز للمجتمع النوبى تنحصر فى الأفلام القديمة. ولكننى أقول إن الأفلام الحديثة تحذو حذو الأفلام القديمة وتسير سيرا حثيثا فى نهجها، فشخصية "عبده" فى فيلم "انتبهوا أيها الأزواج" بطولة بوسى وسعيد صالح وهشام عبد الحميد وإخراج حسن الصيفى هى فى الواقع شخصية نوبية ويقوم بدور عبده الخادم فى منزل "هشام عبد الحميد" ممثل من ذوى الأصول النوبية. وكذلك الحال فى فيلم "حكاية حب" بطولة حسين فهمى وآثار الحكيم وصلاح السعدنى نجد الخادم "عم صالح" يقوم بدور النوبى الذى لا يعرف اللغة العربية حيث يرد على سؤال حسين فهمى "الست شمس فين؟": على فكرة ده قاعد مع الدكتور فؤاد وكذلك نجد شخصية النوبى كبائع روبابيكيا فى فيلم "خلف أسوار الجامعة" بطولة سعيد صالح وصلاح السعدنى ويونس شلبى وإخراج نجدى حافظ.

 

المسلسلات التلفزيونية

ورغم أن الأفلام السينمائية دأبت على السخرية والاستهزاء بأهالى النوبة، إلا أننى دائما أقول إن معظمها أفلام قديمة وربما لا يراها سوى رواد السينما، وقد ولى زمن العنصرية والنظرة الدونية التى يتجرعها النوبيون من هذه الأفلام. ولكن ما يدعو إلى الأسف هو أن يساهم التلفزيون أيضا فى دعم ثقافة العنصرية والترويج لها من خلال المسلسلات التلفزيونية التى تدخل المنازل من أوسع أبوابها ولا تتوخى الحرص فى إهانة المواطنين وهم داخل منازلهم. ومن المعروف أن بعض كتاب وأدباء النوبة تصدوا لهذه السهام العنصرية المسمومة التى توجه إلى صدور النوبيين ولكننا لم نقرأ كلمة واحدة سطرها الأستاذ يحيى مختار منتقدا هذا الوضع المشين.  فلقد كان الروائى حجاج أدول أول من عبر من خلال جريدة الوفد الصادرة فى 20 فبراير 2001م عن تفاؤله من أن القرن الجديد سوف يشهد تحولا فى المواقف التى تتخذها أجهزة الإعلام تجاه النوبيين. وهنالك روائى آخرإبراهيم فهمىعبر عن سخطه وغضبه لإصرار الأجهزة الإعلامية على تقديم صورة باهتة عن مجتمع النوبة من خلال مسلسل تلفزيونى كان يذاع خلال شهر إبريل 2001م ويحمل أسم "حروف النصب"، والذى أخذ يسخر من النوبيين ويعايرهم بلون بشرتهم السوداء، وكذلك كتب الروائى حسن نور فى جريدة الوفد الصادرة فى 14 مايو 2001م:

          نتعرض نحن النوبيين من آن لآخر لكثير من السخرية والاستهزاء

          فى كثير من الأفلام والمسلسلات التلفزيونية، وكان أخرها ما تعرضنا

          له مساء الخميس 26 إبريل من هذا العام 2001م فى الحلقة الرابعة من

          المسلسل الهابط " حروف النصب" الذى تعرضه القناة الأولى والذى

          تعرض فيه كاتبه للنوبيين بطريقة مستفزة لمشاعرهم

 

وقد يذهب البعض إلى أن الدولة ممثلة فى الرقابة لا تتدخل فى الأمور الفنية بل تشجع حرية التعبير فى وسائل الإعلام. والرد على هؤلاء لا يحتاج إلى مجهود لأن الرقابة تدخلت لمنع إحدى الأفلام السينمائية لمجرد أن الفيلم يتناول قصة دبلوماسى اضطرته ظروف الحياة أن يعمل سائقا للتاكسى. وكذا رفضت الرقابة فيلما يتناول استجابة رئيس جمهورية لدعوة حفل زفاف يقام فى إحدى الأحياء الشعبية الفقيرة.

 

وخلاصة القول فإن السينما والتلفزيون لا يعكسان الواقع الذى نعيشه بل يصنعان الواقع والمواقف التى قد يتعرض لها النوبيون فى حياتهم اليومية من قبل بعض ضعاف النفوس والذين قد لا يدركون حقيقة أصولهم المتواضعة. والجدير بالذكر أن السينما المصرية والتلفزيون المصرى قد قاما بدور أساسي فى زرع بذور العنصرية فى نفوس بعض المصريين وخاصة فى المدن حيث تعرض الكثير من أبناء النوبة لمواقف عنصرية بغيضة مما بث مشاعر الحقد والكراهية فى نفوسهم وجعلهم يشعرون بالمهانة والغربة فى هذا الوطن.