Make your own free website on Tripod.com

 

 

                               نحو نبذ التعصب: دروس من الغربة

كانت مصر تعتنق المسيحية عندما فتحها المسلمون فى القرن السابع الميلادى فى عهد الفاروق عمر بن الخطاب. واحتفظ قطاع كبير  من المصريين بديانتهم المصرية، إذ لم يجبرهم أحد على ترك معتقداتهم. وهذا يبين أن المسلمين الأوائل كانوا حريصين على احترام الديانات السماوية الأخرى. وكانوا أيضا على وعى تام بتراث الإنسانية، فلم يسعوا لتدمير المعابد والتماثيل الفرعونية كما تفعل الجماعات المتشددة فى هذا العصر الذى شهد قيام جماعة الطالبان بتدمير المعابد والتماثيل التى أقامها البوذيون فى أفغانستان مما أساء الى الدين الإسلامي فى المحافل الدولية. وقد ظلت العلاقة طيبة بين المسلمين والمسيحيين فى مصر منذ تلك الفترة. وقد حمل الفريقان أعباء الزود والدفاع عن الوطن فى جميع المعارك والحروب التى خاضها الشعب خلال القرن العشرين وذاقا معا مرارة الهزيمة فى عام 1967م وحلاوة الانتصار فى عام 1973م وذلك لقناعتهم وأيمانهم بوحدة المصير.

 

وقد لاحظنا منذ فترة قصيرة ما يعكر صفو هذه العلاقة، فتارة تطفو على السطح مطالب الأقباط، وأهمها ذلك المطلب الذى يهدف إلى رفع القيود التى وضعتها الدولة العثمانية على إنشاء الكنائس. ولا اعتقد أن المسلمين يضيرهم إنشاء أو بناء الكنائس طالما كانت هنالك حاجة إلى ذلك، بيد أن السبب الرئيس الذى يؤدى إلي اشتعال الموقف وانفلات الأعصاب هو ذلك الذى يتعلق بترك مواطن لدينه واعتناق الديانة الأخرى. وفى رأى فانه يتعين على كل مواطن بصرف النظر عن ديانته مراعاة الحقائق التالية:

أولا: فعالية الديانة لا تقاس بعدد المساجد أو الكنائس بل عدد المترددين على دور العبادة ودورها فى تغيير سلوك وأخلاق المواطنين نحو الأفضل.

ثانيا:- ليس هنالك ما يدعو المسلم أو المسيحى إلى أن يغير من ديانة الآخر، فالإنسان الغيور على دينه ووطنه فى نفس الوقت يستطيع أن يتجه إلى المجتمعات التى لا تعتنق الديانات السماوية، فمثلا حوالى ربع سكان السودان يعتنقون الديانات الروحانية. وبلا شك فإن هذا الاتجاه افضل من خلق أسباب التوتر والاختناق داخل الوطن الواحد.

 

وربما لا يعلم الكثيرون ممن لم تتح لهم فرصة السفر للخارج أن العلاقة بين المصريين (مسلمين ومسيحيين) تتجلى فى الغربة حيث تذوب كل الشوائب وتتبخر كل أسباب الحساسية والتوتر التى قد نشهدها داخل أرض الوطن من قبل بعض المتعصبين من هنا أو هناك. ففى العقد الأول من ثمانينيات القرن المنصرم توجهت الى جامعة مدينة بفلو (بولاية نيويورك) حيث لم يكن لى سابق معرفة مع المصريين المقيمين فى تلك المدينة التى تقع على الجانب الشرقى لنهر نياجرا. وتصادف أن التقيت شابا فى منتصف العمر تشير ملامحه إلى أنه مصرى حتى النخاع، فذهبت إليه قائلا: هل أنت مصرى؟ فقال: نعم، فلم اشعر بنفسى إلا وأنا احتضنه بقوة ولم يكن هذا الصديق سوى مدرس مصرى يعتنق المسيحية. ولم نفترق منذ الوهلة الأولى، فقد كنا نتناول الطعام سويا ونذهب إلي الأسواق سويا ولا نفترق إلا عندما نخلد إلي اليوم. ولا أذكر أننا تطرقنا إلى الحديث عن الدين طوال فترة إقامة هذا الصديق فى أمريكا ومدتها اثنتا عشرة شهرا. وقد خاض معظم المبعوثين المصريين الذين التقيتهم هذه التجربة التى تبين لنا أن المصريين بطبيعتهم يمقتون التعصب الدينى. وفى الواقع فإننا فى حاجة الى رصد وتدوين مثل هذه التجارب وتلاوتها للأبناء إذا كنا جادين فى نبذ التعصب الأعمى الذى ابتلينا به فى هذا العصر، وهو تعصب مقيت يعطل مسيرتنا نحو مجتمع خال من الأمراض النفسية والاجتماعية، مجتمع تسود فيه المودة والعلاقات الطيبة بين عناصره المختلفة.

  Sokarno2001@hotmail.com