Make your own free website on Tripod.com

 

 

                              الديمقراطية وأدب الحوار

                                                      د. أحمد سوكارنو عبد الحافظ

يعمل  دعاة الإصلاح السياسى فى بلادنا على نشر الديمقراطية. ومن المعلوم أن الديمقراطية لا تقتصر فقط على الانتخابات البرلمانية والرئاسية بل الديمقراطية ثقافة وأسلوب حياة يترببى عليه الفرد منذ نعومة أظافره، ولا بد أن نعترف بأننا فى حاجة إلى تربية ديمقراطية فى البيت والمدرسة والجامعة ووسائل الإعلام. وفى رأى فإن الفارق الرئيسى بين الديمقراطية والدكتاتورية يتجلى فى تقبل أو رفض الآراء التى تتناقض مع أرائنا ومعتقداتنا، مع الاحتفاظ بحق الآخرين فى الاختلاف معنا. فالدكتاتور هو ذلك الشخص الذى لا يحتمل ولا يستمع إلى رأى يختلف عن رأيه بل ربما يعمل على معاقبة أصحاب الآراء التى لا تتفق مع توجهاته، وهذا الموقف يدفع المحيطين به إلى أن يتفقوا معه فى جميع القضايا والأمور كبيرها وصغيرها وحتى تلك التى قد تعسف بأمن الوطن، كما حدث فى العراق حيث لم يجد الرئيس من يخالفه الرأى عندما قرر احتلال الكويت. وافتقادنا إلى التربية الديمقراطية يتجلى فى الحوارات اليومية، الحوارات التى تتعلق بمناقشة قضايا خاصة أو عامة وسواء كانت الأطراف المتحاورة مواطنين من ذوى الثقافة العالية أو المتوسطة أو المتواضعة.

 

فمن المسلم به أن اللغة تلعب  دورا مهما فى تعميق العلاقات والاتصال الايجابى بين إفراد المجتمع، وربما نجيد استخدام اللغة بينما نفتقد إلى أدب الحوار، ومما لاشك فيه فإن عدم الالتزام بأدب الحوار قد يؤدى إلى عواقب وخيمة تساهم فى تدمير العلاقات بين المتحاورين، كما نشاهد فى البرامج التلفزيونية التى ترتكز على تبادل الآراء ومناقشة القضايا العامة من خلال التحاور بين شخصين أو أكثر. وما يلفت النظر أن متحدثى اللغة العربية لا يجيدون أدب الحوار فى الكثير من الأحيان وذلك مقارنة بمواطنى الدول الغربية. ومن أهم عناصر الحوار البناء هو فن الاستماع إلى آراء الآخرين الذين يختلفون معنا فى الرأى، فالمتحاور يتعين عليه أن يستمع إلى الآخر ويترك له فرصة التعبير عن أرائه بصرف النظر عن موقفه تجاه هذه الآراء ولا يحق له أن يصادر الرأى الآخر بالمقاطعة المستمرة كأنما يسعى إلى منعه من إبداء الآراء التى يختلف معها. وهذا الأمر يدفع الطرف الآخر إلى أن يتشبث برأيه ويدافع عنه بضراوة مما قد يؤدى إلى نتائج كارثية، كما حدث فى برنامج شهير يقدمه فيصل القاسم على قناة الجزيرة حيث تبادل الطرفان التراشق بالألفاظ الجارحة وانتهى الأمر بأن ألقى كل منهما كوب ماء على  الآخر وكان ذلك على الهواء مباشرة، ونشاهد أيضا على القنوات الفضائية التى تتضمن برامج حوارية مثل برنامج "الحياة" الذى تقدمه المذيعة اللامعة نجوى إبراهيم حيث يتحدث جميع الضيوف فى وقت آخر ولا تستطيع المذيعة المخضرمة فى الكثير من الأحيان  أن تسيطر على الأمور والضحية هنا هو المشاهد الذى يفشل فى فهم الجمل والعبارات المتداخلة.

 

وهذا الخلل فى أدب الحوار يرجع إلى الأسلوب الذى تربينا عليه ونربى أبناءنا عليه سواء فى البيت أو من خلال مؤسساتنا التعليمية والإعلامية، وهو أسلوب يفتقر إلى الديمقراطية التى تعتمد فى المقام الأول على الإقناع والاقتناع وعدم الإسفاف بآراء الآخرين الذين يتبنون مواقف تختلف عن مواقفنا. فنحن نكتفى بإصدار الأوامر الناهية لأبنائنا دون ترك مساحة للتحاور والإقناع وربما نتولى اختيار ملابس أطفالنا دون أن نشركهم فى اتخاذ القرارات الخاصة بحياتهم، كما إننا نتعامل مع أطفالنا فى المدارس بنفس الطريقة التى تربينا عليها، أى بإصدار أوامر النهى واستخدام أسلوب التلقين دون ترك فرصة للتحاور وإبداء آراء مختلفة لا تتفق مع ما جاء فى المقرر الدراسى، وكلنا يدرك أننا لم نعتد على البرامج التى تعتمد على الحوار والآراء المختلفة فى وسائلنا الإعلامية، فقد اعتدنا على الرأى الواحد منذ إدخال البث التلفزيونى فى الستينيات من القرن الفائت وربما سوف يمر وقت طويل قبل أن ندرك قيمة المقولة التالية: رأى صواب يحتمل الخطأ ورأيك خطأ يحتمل الصواب.